محمد أبو زهرة
3717
زهرة التفاسير
وإنه في هذه الدعوة لا يريد مالا ولا سلطانا أو جاها يكون أجرا على دعوته ولذا قال تعالى عن هود : يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً أي عرض من أعراض الدنيا ، ولا أجر لي إلا الجزاء من اللّه على القيام بواجب إرشادكم وهدايتكم ، وقال في ذلك : إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أي خلقني على الفطرة السليمة المستقيمة غير الملتوية ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ يدعوهم إلى التدبر و ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وهو أن حالهم أوجبت تنبيههم إلى أن ما هم فيه يجب أن يتدبروه ؛ لأنه غير معقول في ذاته إذ كيف يعبدون ما لا ينفع ولا يضر وهو حجر لا ينطق ولا يعقل ، ويناديهم بعد ذلك نداء المحبة التي يريد بها النفع فيقول وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 ) . اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي اطلبوا الغفران ، لأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا وعبر ب « ربكم » للإشارة إلى ما يبعثهم على عبادته ، وهو أنه الذي خلقهم وربهم ودبر أمورهم بحكمته وإرادته . ويبين سبحانه ما يترتب على الاستغفار ، وهو ذاته مما يوجب العبادة فقال تعالى : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، المراد المطر ، وعبر عنه بمكان نزوله من قبيل ( إطلاق المحل وإرادة الحالّ ) ، ومدرارا أي كثيرا ، ينبت به زرعكم ويكون قوام حياتكم ، وفي ذلك الخير فائدتان : الفائدة الأولى : أن القرب إلى اللّه وعبادته الخالصة يبسط اللّه بهما الرزق ، كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) [ الأعراف ] . الفائدة الثانية : تذكيرهم بنعم اللّه تعالى عليهم وهي توجب أن يؤمنوا بدل أن يشركوا ويقول سبحانه على لسان نبيه هود وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ أي يزيدكم قوة مضمومة إلى قوتكم ، فشكر النعمة يزيدها وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ